المقريزي

342

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الأفضل إذ ذاك وهي عجوز لها سمت ووقار ، تطوف كلّ يوم وفي الجمعة الجوامع والمساجد والرباطات والأسواق ، وتستقص الأخبار ، وتعلم محب ولدها الأفضل من مبغضه ، وكان الأطفيحيّ قد سمع بخبرها ، فجاءت يوم جمعة إلى مسجده وقالت له : يا سيدي ولدي في العسكر مع الأفضل ، اللّه يأخذ لي الحق منه ، فإني خائفة على ولدي ، فادع اللّه لي أن يسلمه . فقال لها الشيخ : يا أمة اللّه أما تستحيين تدعين على سلطان اللّه في أرضه ، المجاهد عن دينه ، اللّه تعالى ينصره ويظفره ويسلّمه ، ويسلم ولدك ، ما هو إن شاء اللّه إلّا منصور مؤيد مظفر ، كأنك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه وأتى على أحسن قضية وأجمل طوية ، فلا تشغلي لك سرّا ، فما يكون إلّا خيرا إن شاء اللّه تعالى ، ثم إنها اجتازت بعد ذلك بالفار الصيرفيّ بالقاهرة بالسرّاجين ، وهو والد الأمير عبد الكريم الآمريّ صاحب السيف ، وكان عبد الكريم قد ولي مصر بعد ذلك في الأيام الحافظية ، وكان عبد الكريم هذا له في أيام الآمر وجاهة عظيمة وصولة ، ثم افتقر . فوقفت أمّ الأفضل على الصيرفيّ تصرف دينارا وتسمع ما يقول ، لأنه كان إسماعيليا متغاليا ، فقالت له : ولدي مع الأفضل ؛ وما أدرى ما خبره . فقال لها الفار المذكور ، لعن اللّه المذكور الأرمنيّ الكلب العبد السوء ابن العبد السوء ، مضى يقاتل مولاه ومولى الخلق ، كأنك واللّه يا عجوز برأسه جائزا من هاهنا على رمح قدّام مولاه نزار ومولاي ناصر الدولة إن شاء اللّه تعالى ، واللّه يلطف بولدك ، من قال لك تخليه يمضي مع هذا الكلب المنافق ، وهو لا يعرف من هي . ثم وقفت على ابن بابان الحلبيّ وكان بزازا بسوق القاهرة فقالت له مثل ما قالت للفار الصيرفيّ . . . وقال لها مثل ما قال لها . فلما أخذ الأفضل نزارا وناصر الدولة وفتح الإسكندرية ، حدّثته والدته الحديث وقالت : إن كان لك أب بعد أمير الجيوش فهذا الشيخ الأطفيحيّ . فلما خلع عليه المستعلي بالقصر وعاد إلى دار الملك بمصر ، اجتاز بالبزازين يوما ، فلما نظر إلى ابن بابان الحلبيّ قال : انزلوا بهذا فنزلوا به ، فقال : رأسه . فضربت عنقه تحت دكانه . ثم قال لعبد على أحد مقدّمي ركابه : قف هاهنا لا يضيع له شيء إلى أن يأتي أهله فيتسلموا قماشه ، ثم وصل إلى دكان الفار الصيرفيّ فقال : انزلوا بهذا ، فنزلوا به ، فقال : رأسه . فضربت عنقه تحت دكانه . وقال ليوسف الأصغر أحد مقدّمي الركاب اجلس على حانوته إلى أن يأتي أهله ويتسلموا موجوده ، وإياك وماله وصندوقه ، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه ، كان لنا خصم أخذناه وقد فعلنا به ما يردع غيره عن فعله ، وما لنا ماله ، ولا فقر أهله ، ثم أتى الأفضل إلى الشيخ أبي طاهر الأطفيحيّ وقرّبه وخصصه إلى أن كان من أمره مما شرحناه .